لماذا ينهار الزواج في الغربة

مع تزايد الضغوط الاقتصادية والجيوسياسية لا تجد الكثير من العائلات بدا من اللجوء إلى الغربة بحثا عن فرصة لحياة أفضل. وبالنسبة للكثير من العائلات المصرية فإن تجارب الأجيال السابقة اثبتت صعوبة استمرار التماسك العائلي حينما يسافر رب الأسرة وحيدا نظرا لما يحدثه ذلك من انفصال نفسي واغتراب بين الزوجين وكذلك التباعد بين الاب وأولاده الذين قد لا يرون فيه الا ممول وليس قدوة او قائد للعائلة. كل تلك العوامل وغيرها دفعت الكثير من الأزواج إلى التمسك بخيار انتقال الأسرة بأكملها كوحدة واحدة الى بلد العمل التي قد تتحول مع الوقت الى بلد مهجر. ومع هذا تنتشر الشكاوى من تصاعد المشاكل الزوجية بين الأزواج المهاجرين او المغتربين وتصل الخلافات الى أشدها بحيث نجد انعدام للثقة والمودة وتزايد لوتيرة الصراعات مرورا بالعنف الأسرى ووصولا الى تزايد معدلات الانفصال بين الزوجين ربما بعد وقت قليل من الانتقال الى الظروف التي كانا يتوقعان منها تحسين حياتهما. فهل تغير المادة النفوس ام ان للحكاية خلفية أخرى؟

دكتورة ريهام أشرف

A happy family poses for a photo.
A happy family poses for a photo.

من الواجبات المنزلية المشهورة في كثير من مناهج العلوم هي واجب تمرين انبات البذور. فيه يتعلم الطالب كيف يبلل قطعة قطن في طبق بالقدر الكافي ثم يتخير بعض البذور التي يضعها فوق القطن ويعرضها لأشعة الشمس بما يسمح بنمو البذور وانباتها. ويتخلل التجربة الكثير من الضبط لكمية المياه والضوء والحرارة لضمان نمو البذرة وتجنب احتراقها. ان هذه التجربة البسيطة القابلة للنسخ على مستويات أكبر تذكرنا كيف لجماد (غير حي) ان تدب فيه الحياة لوجود بيئة مناسبة وكيف لنفس العوامل التي ساعدته على الحياة ان تقتله إذا لم يتم ضبطها بالقدر المناسب.

من المناسب جدا ان نتعامل مع علاقتنا الزوجية بنفس المنطق فان التغيير عامة والتغيير بلد الإقامة خاصة هو عامل شديد التأثير على علاقة الزوجين وهو اختبار حقيقي ليس فقط لقوة العلاقة لكن أيضا لسمات شخصية كل منهما وقدرتهما على التأقلم والتعايش والتواصل الفعال. فبالرغم من أن القدرة على التواصل والقدرة على التأقلم يتم اختبارها في نقاط كثيرة على مدار العلاقة الزوجية بداية من الانتقال للعيش سويا والتعرف على عادات الاخر عن قرب الى ولادة الطفل الأول وحتى التعامل مع العقبات الاقتصادية والعملية للأسرة في المراحل المختلفة وغيرها الا ان تغيير بلد العيش يعتبر تحدى فريد من نوعه للعلاقة. فالاغتراب يقتلع الاسرة من جذورها ويضعها في محيط مختلف. تختلف فيه القيم والتفاعلات اليومية والمتطلبات من الشارع والجيران ومدارس الاولاد وارباب العمل كذلك. هذه التغييرات يلزمها تأقلم وتوافق بين الزوجين على كيفية توزيع المهام المختلفة التي لم تكن تشكل أي مشكلة من قبل وأصبحت الان هما ثقيلا وليس هذا فقط فهو أيضا يتطلب تفهم لطبيعة تأثير على شخصية الشريك. ومما يزيد ذلك الضغط ان توزيع المهام بين الرجل والمرأة في العلاقة قد يختلف من مجتمع لآخر.

فقد يجد الزوجين أنفسهما ممزقين بين نموذج الدور الأنثوي والذكوري الذي تربوا عليه في مجتمعاتهم وبين النموذج المتبع في مجتمعهم الجديد. وقد يختار أحد الزوجين الانتماء الى الثقافة الجديدة وتبنيها بينما يميل الاخر الى النموذج الأصلي والأخطر من ذلك هو ان قد يجد الوافد الجديد نفسه ينتقى من قيم المجتمع الجديد ما يحلو له ويبقى من قيم مجتمع الأصلي ما يحلو له فيصنع لنفسه في عقله نموذج ثقافي خاص به يضمن له الامتيازات دون غيرها ودون النظر للصورة الأكبر او الاخذ في اعتبار منظور الشريك الذي يجعله التغيير الثقافي يبدو كشريك ظالم لتمسكه بالصورة الأصلية التي بدأت عليها العلاقة.

وأقول ان ذلك أخطر لان كثيرا من الأحيان فان الزوج او الزوجة يكونان تلك الصورة الخاصة دون تواصل فعال او حقيقي ودون تخيل لتأثير ذلك على علاقتهم بالشريك او تهيئته لتغييرات العقلية الجديدة بحيث يجد كل طرف نفسه في انبهار لبعض النقاط في الثقافة الجديدة دون غيرها مع توقع ان يتغير الشريك لمجاراة ذلك الانبهار واشباعه مما يحدث شقا كبيرا في العلاقة والتوقعات بين الزوجين.

ونأتي هنا للجانب الأكثر إيلاما وإيذاءا وهو الصحة النفسية للزوجين وتأثير ذلك على علاقتهما. ومن الناحية الفردية فان كل من الزوجين قد يجد نفسه وقد انقطع عن الأصدقاء والاخوة والتجمعات العائلية يواجه مشاعر الوحدة وغياب الدعم وحتى مع توافر وسائل التواصل فقد يشعر المغترب بالحرج فى الشكوى من حياة يتمناها من خلفهم وراءه في بلاده او يجد صعوبة فى شرح تفاصيل تجارب حياتية لم يعشها الأصدقاء فلا يفهمون صعوبتها او تحدياتها مما يقلل من فرصة التعبير والفضفضة ويزيد من إحساس الوحدة والضغط.

إن كل ذلك يجعل الزوج أو الزوجة هو الشريك الأوحد والمثالي لمشاركة الاحداث او المشاعر وبالتالي يلقى بمسؤولية كبيرة كانت موزعة على أطراف كثيرة فالسابق على شخص واحد. فاذا فشل الزوج المثقل بساعات العمل او الزوجة المشغولة بشؤن الأولاد عن الاستماع والمشاركة فان ذلك يولد شعورا بالخذلان ويزيد من الاحتقان بين الزوجين الذين قد تشتعل العلاقة بينهما فيجد الزوجين أنفسهم في دائرة العنف اللفظي او الجسدي لأبسط سبب مما يبدو غير منطقيا لكن الحقيقة ان كل منهما أغفل ان قبل هذا السبب البسيط تراكمات من الضغوط النفسية وغياب للود والتواصل والمشاعر الدافئة التي قد تختفي شيئا فشيئا تحت وطئه كل تلك الأعباء والتغييرات في طيات الغربة دون ان يلحظ أحدهما متى وكيف.

وأخيرا فانه عندما ينتقل الزوجين من المجتمعات المبنية على المشاركة والتضحية الى المجتمعات الفردية المبنية على المصلحة الفردية المادية فان من الطبيعي ان أكثر ما يعاني هو العلاقة الزوجية.

ويكمن الحل اساسا في الوقاية والوعي النفسي. بحيث يفهم الزوجين ان الغربة بجانب كونها فرصة للترقي الاجتماعي وبناء المستقبل المادي فإنها تتطلب منهما مجهود خاص على المستوى النفسي. مجهود خاص للحفاظ على علاقتهما ومشاعرهما الطيبة في وجه الضغوط. مجهود يتمثل أساسا في تنمية مهارات الصبر على التواصل وتعلم استخدام التواصل الفعال الخالي من الشخصنة والدفاعية او الهجومية والاتهامات والنصح الجاف والأوامر او التهديدات، بل التواصل المعتمد على الاستماع الى احتياجات الطرف الاخرو التعبير عن مشاعرك بكلمات مختارة ثم تبنى عادات يومية في التودد والامتنان بين الزوجين عمدا وبذل جهد مضاعف في تطمين الشريك ومساعدته نفسيا لمجابهة الضغوط الثقافية والعملية ويتطلب ذلك تعاون مشترك ونية طيبة من الطرفين.

كذلك فان بناء حوار فعال قائم على نقد و انتقاء القيم المجتمعية الجديدة و التفاهم حولها بصورة عقلانية هو عادة مهمة للبقاء على نسق واحد فيما يخص توجهات الاسرة و أولوياتها ما يعكس أيضا صورة جيدة و متماسكة للأبناء .و أخيرا دعونا نؤكد ان بقاء الاسرة يعتمد على التوازن بين القيم المادية و القيم الروحية و الاجتماعية وأن ثروة الاسرة الحقيقية لا تكمن في ممتلكاتها أو صورتها الخارجية و لا تعتمد على مناصب افرادها و لكن على قدرتهم على الحفاظ على علاقات افرادها قوية و مترابطة و حنونة و داعمة في جميع الظروف.